المقريزي

114

المقفى الكبير

وأقبل الناس فجالدهم شبيب وأصحابه في المسجد حتّى خرجوا على وجوههم ، ثمّ خرج هو وأصحابه وتبعه الناس فاضطربوا في موضع السوق ساعة . ثم زاحفهم الحجّاج وهو يمشي حتّى تعب ، ومعه يومئذ أربعة آلاف من أهل الشام ، فقال لهم : لا تدعنّ معكم عراقيّا غير خالد بن عتّاب بن ورقاء ، فإنّه ثائر بأبيه ، وغير جهم بن زحر - وكان شبيب جرح أباه . وكانت على الحجّاج درع فانبهر ، وقال : ويحكم ! ابغوني دابّة . فطلبوا دابّة فلم يجدوا إلّا بغل سقاء أغرّ محجّلا فأتي به ، فقال له سفيان بن الأبرد : أيّها الأمير ، اركب هذا البغل ، فإنّه أغرّ محجّل . قال : قرّبوه ، فإنّه واللّه يوم أغرّ محجّل . فركبه ، ثم قال : ويحكم ، ذبحني العطش ! فأتي بحوّ من ماء ، فكره أن يشرب منه ، فأمر بدرعه فقدّ جيبها ثمّ قال : أصبّه فيما بين جلدي والدرع . فضاربهم شبيب يومهم الأطول حتّى ألجأهم إلى البيوت ، وأقبل شبيب حتى علا هو وأصحابه مزبلة تشرف على الكوفة وعلى أصحابه ، ثمّ نزل وقاتل حتّى كثرت الجراحات . ثمّ ولّى بأصحابه إلى الأنبار فأقام بها ، ولم يجتمع له مذ خرج إلى أن قتل أكثر من ثلاثمائة فارس . وقال أسامة بن زيد البجلي الأحيمر [ 328 أ ] يعيّر الحجّاج ، وقيل : بل قائلها عمران بن حطّان [ الكامل ] : صدعت غزالة قلبه بكتيبة * تركت مسامعه كأمس الدابر « 1 » ليث عليّ ، وفي الحروب نعامة * هو جاء تنفر من صفير الصافر هلّا خرجت إلى الغزالة في الوغى * إذ صار قلبك في جوانح طائر ؟ ألق السلاح ، وخذ وشاحي معصر * واعمد لمنزلة الجبان الكافر وقال الحجّاج لأصحابه : ما ترون ؟ قالوا : نرى أنّ القوم قد أثخنتهم الجراحات ، فإن اتّبعوا لم يكن لهم قوام . فوجّه علقمة بن عبد الرحمن إليه فقاتله يوما وليلة ، فولّى شبيب منهزما ، فبعث إليه الحجّاج سفيان بن الأبرد بن الأصمّ الكلبيّ في ألفين ، فطلبه حتّى انتهى إلى دجيل ، فأقبل إليه شبيب ، فقطع سفيان جسر دجيل ، فاستدارت السفن بشبيب فغرق ، فاستخرجه بالشباك ، وقطع رأسه ورأس امرأته وأمّه وعدّة من أصحابه وبعث بها إلى الحجّاج ، فبعث بها إلى عبد الملك ، وعدّتها سبعون رأسا ، فكانت أوّل رأس قدمت من رؤوس الخوارج إلى الشام . ثمّ لمّا ضرب عبد الملك الدنانير والدراهم ونقش عليها ذكر اللّه تعالى ، ضرب الحجّاج الدراهم ونقش فيها « قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ » ، فكره الناس ذلك من أجل أنّ الجنب والحائض يمسّها . ومنع الحجّاج أن يضرب أحد غيره ، فضرب سمير اليهودي ، فأمر بضرب عنقه فقال له : عيار دراهمي أجود من دراهمك فلم تقتلني ولم تتركه ؟ فوضع للناس صنج الأوزان ليتركه فلم يفعل . وكان الناس يعرفون الوزن قبل ذلك . [ ثورة عبد الرحمن ابن الأشعث ] وخرج على الحجّاج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي ، وذلك أنّه

--> ( 1 ) حاشية في الهامش : مناظره دياس القابر .